الاخبار: راجانا حمية الخميس 17 أيلول 2026
أتت مذبحة البايجر في توقيتٍ غير صائب، حيث سبقت الحرب بأيامٍ قليلة، وهو الأمر الذي وقف عائقاً أمام علاجات الجرحى، ولا سيما المصابين في عيونهم، إذ أثّرت الحرب على خطوط الطيران وبقيت في تلك الفترة شركة طيران الشرق الأوسط الوحيدة التي تسيّر رحلات من وإلى مطار بيروت، «ما فرض الحصار على القرنيات»، ووضع الأطباء تحت عبء كبير.
زاد الطلب على سلعة باتت نادرة، «مع الصعوبة المطلقة في نقل القرنيات». وكانت النتيجة أن عيون البعض استطاعت تحمّل التأجيل، فيما عيون أخرى أُتلفت «لأنها كانت تحتاج إلى زراعة عاجلة ولم يكن بمقدرونا تأمين ذلك». وحتى من غير جرحى البايجر، من المرضى العاديين أصابهم الحصار بمقتلٍ، فخسروا عيونهم. كان حصاراً قاتلاً، إذ لم يستطع الأطباء مثلاً خلال الفترة الأولى من الانفجار سوى جلب 25 قرنية «بمجهود شخصي»، ودون منّة من الدولة.
بالقدر الذي كانت مؤلمة حادثة البايجر، كان لوم طبيب العيون الياس جرادة أكبر للدولة، وبوجه خاص وزارة الصحة، فبرأي الأخير «لو كانت هناك خطوة رسمية وتدخل مباشر لاستطعنا حلها مع شركات الطيران»، لكنها اختارت النأي بنفسها. وهي السياسة نفسها التي اتّبعتها في التعامل مع جرحى البايجر وجرحى الحرب في مرحلة لاحقة، يقول جرادة.
ولا مبالغة في القول إن الدولة قطعت علاقتها بالجرحى مع انتهاء حالة الطوارئ، فيما لزّمت ملفاتهم لمؤسسات البيئة التي إليها ينتمون، وفي مقدّمها مؤسسة الجرحى التي لا تزال حتى اللحظة الراهنة تتابع علاجاتهم، برغم كلفتها الباهظة. وفي ما خصّ جراحة العين، يقول جرادة إن وزارة الصحة توقّف دورها عند حدود «الترميم الأولي، علماً أننا نعرف أن هذا الإجراء ليس خطة علاجية دائمة وهو ترميم بالحد الأدنى وتتبعه خطوات لاحقة»، مستمرة إلى الآن في عيادة جرادة وغيره من جرّاحي العيون، «وهي باقية في كثير من الحالات مدى الحياة».
لا مبالغة في القول إن الدولة قطعت علاقتها بالجرحى مع انتهاء حالة الطوارئ
لكن، الدولة غالباً ما تميل إلى التخفّف من عبء المتابعة بعد انتهاء الصدمة الأولى. وفي حالة البايجر بالذات، اقتصرت البرامج الرسمية على بعض المبادرات ومنها البرنامج الذي أطلقته وزارة الصحة العام الماضي مع منظمة اليونيسف لمعالجة جرحى الحرب من الأطفال، من بينهم أطفال جرحى البايجر.
عدا ذلك، لم تفعل الدولة شيئاً. كان ثمة تسليم بأن هؤلاء من «حصة» حزب الله. وانطلاقاً من هذه الزاوية، يصبح مفهوماً غياب الاستعداد للمساعدة. وفي هذا السياق، يشير جرادة إلى أنه عقب وقوع المذبحة، حضر إلى لبنان فريق من الأطباء للمساعدة في معالجة الجرحى «لم نجد لهم مكاناً ليمارسوا العمل الطبي فيه، لم يكن هناك أي تشجيع أو على الأقل إعطاء الضوء الأخضر للعمل». وفي الحالات النادرة التي وصل فيها الإيعاز بالعمل في أحد المستشفيات الحكومية، «أرسلونا إلى المستشفى التركي في صيدا ولم يكن يومها قد فتح أبوابه ونحن في حالة حرب وهذا أمر تُحاسب عليها الدولة، ولم تكن هناك تجهيزات لممارسة عمل اختصاصي، ثم قصدنا مستشفى بيروت الحكومي وكلنا نعرف أنه غير مؤهّل لاستيعاب هذا النوع من الاختصاصات الدقيقة، ولذلك غادر الأطباء بعد أسبوعين وهم غير راضين عن هذا التعامل».